
يُعدّ المطبخ الأوزبكي، في حد ذاته، معلماً بارزاً لكل زائر للبلاد. فالطعام المحلي لا يتسامح مع التسرع، بل يُعلّمك ليس فقط كيف تأكل بمتعة، بل كيف تعيش معه - ببطء، وبتركيز، مع احترام المكونات وفرح حقيقي بالأشخاص الذين يشاركونك المائدة.
يعرف معظم المسافرين المطبخ الأوزبكي من خلال أشهر أطباقه - البلوف، والشاشليك، واللغمان، والحساء الدسم. لكن وراء هذه الأطباق الكلاسيكية المعروفة، يكمن عالمٌ كاملٌ من الأطباق الأقل شهرة، الأصيلة للغاية، والغنية بالنكهات، والتي نادرًا ما تُذكر في الكتب السياحية. على الأرجح، لم تسمع بالعديد منها من قبل. فلنغير ذلك.
إليكم نصيحة سفر بسيطة: إذا رأيتم طابوراً يتشكل أمام فرن تندور في الربيع، فانضموا إليه دون تردد. فالناس لا يقفون في الطوابير عبثاً. في الداخل، تُخبز كوك-سامسا، وهي معجنات أوزبكية موسمية محشوة بالخضراوات الطازجة، تُعدّ طقساً ربيعياً أصيلاً وبدايةً طبيعيةً بعد الشتاء.
تختلف الحشوة ليس فقط من منطقة لأخرى، بل غالباً من عائلة لأخرى. ففي وادي فرغانة، يهيمن الحميض والبصل الأخضر، بينما في طشقند، ستجد غالباً مزيجاً عطرياً من السبانخ والشبت والكزبرة. ومع ذلك، يبقى المكون الأساسي واحداً دائماً: خضراوات طازجة تُقطف يدوياً في أوج نضجها.
أستطيع أن أشهد شخصياً على هذه العملية - فقد جمعت الخضراوات بنفسي، وشكلتُ المعجنات بيدي، وشاهدتها تُخبز داخل فرن التندور المتوهج. وبالطبع، لا تنتهي العملية عند معجنات واحدة فقط. لا جدوى من المقاومة.
إذا كنت تعتقد أن السمك يلعب دورًا ثانويًا في مطبخ آسيا الوسطى، فأنت ببساطة لم تزر أسواق طشقند. هنا، يحتل السمك مكانة مرموقة على المائدة. قد يكون نطق اسم "كوفوريلغان باليق" أصعب من طهيه، فالوصفة بسيطة للغاية.
يُقطّع سمك الكارب الطازج إلى شرائح سميكة ويُقلى في مقلاة كازان بزيت بذرة القطن حتى يصبح ذهبي اللون ومقرمشاً. يُضاف البصل والتوابل، وبذلك يكون الطبق جاهزاً. يكمن السر الحقيقي في الزيت نفسه: زيت بذرة القطن يمنح السمك نكهة جوزية مميزة تُضفي على الطبق مذاقاً فريداً.
يُقدّم الطبق ببساطة – على طبق ورقي، مع شرائح طماطم، وقطع ليمون، وحفنة سخية من الشبت الطازج. هذه هي البساطة في أبهى صورها: لا يوجد تقديم مُبهرج، فقط نكهة نقية وصادقة.
في أوزبكستان، لا يُعدّ الشاشليك مجرد لحم مشوي على سيخ، بل هو فلسفة بحد ذاتها. أما كباب شارفي، فيرتقي بهذا التقليد إلى مستوى آخر. يُلفّ لحم الضأن بطبقة رقيقة من دهن الكول، ويُتبّل بالبصل والملح والفلفل والتوابل، ثم يُشوى على الفحم الساخن.
بالنسبة للطاهي، يُعدّ هذا اختبارًا حقيقيًا لمهارته: يجب لفّ اللحم بعناية فائقة ليحافظ على طراوته وتماسكه أثناء الطهي. أما بالنسبة للمسافر، فهي تجربة لا تُنسى - كباب يذوب في الفم ويُطلق العنان لمذاقٍ رائع مع كل قضمة.
أحيانًا يُستبدل اللحم بالكبد، مما يُنتج نسخةً أغنى وأكثر تركيزًا. في كلتا الحالتين، هذا هو الشاشليك في أبهى صوره.

فاجأتني "تحوم بارك" - وهذا ليس كلاماً أقوله باستخفاف بصفتي طاهياً محترفاً. للوهلة الأولى، تبدو كزلابية عادية. لكن بمجرد البدء في طهيها، تدرك مدى صعوبة تحضيرها.
يجب أن تكون العجينة رقيقة ومرنة، لكنها في الوقت نفسه متماسكة بما يكفي لحمل الحشوة السائلة. تُشكّل كل قطعة زلابية بفتحة صغيرة، يُسكب فيها مزيج من البيض الطازج والحليب والزبدة بعناية. تُغلق الفتحة فورًا، وتُوضع الزلابية مباشرة في الماء المغلي. هذه ليست مهمة فردية، فالسرعة والتنسيق أساسيان.
تقول الأسطورة إن حشوة "تحوم بارك" كانت تُحضّر خصيصاً للخان قبل زيارته للحريم. وكانت المهارة والبراعة شرطاً أساسياً، إذ يجب ألا يتسرب الحشو أبداً.
في الداخل، النتيجة ساحرة: ليست بيضة مسلوقة، بل عجة رقيقة ودسمة تذوب في الفم. تُقدم مع السمن المصفى أو القشدة الحامضة أو الأعشاب الطازجة، وتُعدّ عجة التحوم البركة وجبة فطور مثالية أو غداء خفيف لمن يبحث عن تجربة طعام أصيلة.
في سمرقند، يُعتبر الخبز المسطح مصدر فخر ومنافسة ودية. ويؤكد السكان المحليون: "الخبز المسطح الذي يُخبز خارج سمرقند لا يُعتبر خبزاً مسطحاً حقيقياً".
بل إن هناك أسطورة عن أمير بخارى الذي وقع في غرام خبز سمرقند لدرجة أنه حاول إعادة صنعه في قصره. أحضر الخباز والدقيق وحتى الماء، لكن الطعم ظلّ مختلفًا. ويُقال إن العنصر المفقود هو هواء سمرقند.
حجم الإنتاج مذهل. تخيّل سطحًا بحجم سجادة مغطى بالكامل بكرات عجين يزن كل منها أكثر من كيلوغرام. يرتاح العجين لفترة أطول من بعض السياح في إجازاتهم - انتظرنا قرابة ثماني ساعات حتى وصل إلى الحالة المثالية. هذا التخمير البطيء هو ما يُنتج الفتات الخفيف والقشرة المقرمشة التي يشتهر بها خبز سمرقند.
الخاسيب هو النسخة الأوزبكية من نقانق الدم - لكنه مصنوع من الأرز وله نكهة مميزة. تُفرم كلى ورئتا وقلب وطحال الخروف فرماً ناعماً، وتُخلط مع الأرز والبصل والتوابل، ثم تُحشى برفق في غلاف طبيعي.
تُطهى النقانق على نار هادئة لمدة ثلاث ساعات على الأقل. وعندما تصل أخيرًا إلى المائدة - ساخنةً، مع خبز مسطح طازج وملعقة من الأجيكا الحارة - فإنها تُشعرك بالراحة والرضا العميق.

في سمرقند، يُعتبر طبق "نوهات شوراك" جزءاً من التراث الغذائي للمنطقة. واسمه محمي قانونياً، ولا يُسمح باستخدامه إلا في الأطباق المُحضّرة وفقاً للتقاليد.
المكون الرئيسي هو الحمص، الذي يُنقع لمدة لا تقل عن 12 ساعة ليكتسب قوامه المخملي. الوصفة بسيطة عمدًا: لحم ضأن (يفضل الأضلاع أو الرقبة)، حمص، بصل، ملح، فلفل، كمون، وورق غار. يُطهى الحساء على نار هادئة لساعات، ليتحول إلى مزيج بين مرق غني وحساء دسم. يصبح اللحم طريًا جدًا، ويتشرب الحمص كل نكهة.
يُعدّ طبق البلوف السمرقندي مزيجًا فريدًا من التاريخ والأساطير والنكهات. ويكمن سرّه في طريقة تقديمه الطبقية. وتقول الأسطورة إن تيمور نفسه أمر بتقديم البلوف كما هو مطبوخ تمامًا - دون تقليب. الأرز أولًا، ثم الجزر الذهبي، واللحم في الأعلى.
تحافظ هذه الطريقة على سلامة كل طبقة وتضمن أن يظل البلوف خفيفًا وعطريًا، ولا يصبح دهنيًا أو يُعاد تسخينه أبدًا.
يُعدّ اختيار الأرز أمراً بالغ الأهمية. في سوق سمرقند، عُرض عليّ نوعان: ألانجا ولازر. وكانت النصيحة بسيطة: "للمظهر، اختر ليزر. وللمذاق، اختر ألانجا".
يُحضّر طبق البلوف السمرقندي عادةً باللحم البقري، مع وجود أنواع أخرى مثل لحم الضأن، والسمان، وسجق الخيل (الكازي)، وغيرها، وذلك حسب المناسبة. ويُعدّ نوع الكازان عاملاً مهماً أيضاً، فكلما كان الكازان أقدم، كان يُعتقد أن النكهة أغنى.
يُضاف الأرز أحيانًا من خلال قطعة قماش قطنية للحفاظ على طبقاته منفصلة. وتُكمّل التوابل الطبق: البرباريس، والزبيب، والحمص، وأحيانًا الزعفران لإضفاء النكهة واللون.
هذا ليس مجرد وجبة طعام، بل هو قصة تُقدم على طبق.
