
تتناقض قيرغيزستان، أرض البدو، مع جارتها أوزبكستان، حيث نجت الآثار المعمارية القديمة بأعداد أكبر. ومع ذلك، فإن وادي تشوي في شمال قيرغيزستان لا يقل عن ملاذ أثري.
هنا تقع بقايا المدن المزدهرة التي ازدهرت على طول طريق الحرير، حيث امتزجت الثقافات التركية والسغدية الإيرانية والصينية، وحيث تلاقت الديانات التنغرية والزرادشتية والبوذية والإسلامية وحتى المسيحية النسطورية، التي جلبها المبشرون من سوريا في أوائل العصور الوسطى. ومن الجدير بالذكر أن جذور الحكاية الأوروبية الأسطورية في العصور الوسطى عن مملكة القسيس يوحنا، وهي دولة مسيحية عظيمة فقدت في مكان ما في آسيا، ربما تعود إلى هذه المنطقة.
من أشهر المواقع هنا بورانا، التي تعد بلا شك "المعلم التاريخي الأول" في قرغيزستان، ويرجع ذلك إلى سهولة الوصول إليها، إذ تقع على بعد ساعة واحدة فقط بالسيارة من بيشكيك إلى توكموك، و12 كيلومترًا أخرى من هناك. ووفقًا لبعض الباحثين، وإن لم يكن ذلك بلا شك، يُعتقد أن هذا الموقع هو بقايا بالاساجون، أحد المراكز الرئيسية في آسيا الوسطى قبل المغول وعاصمة الدولة القراخانية القوية في القرنين العاشر والثاني عشر.
كانت بالاساجون، التي كانت قائمة من القرن التاسع إلى القرن الرابع عشر (وربما حتى من منتصف القرن الثامن)، مدينة قديمة للأتراك الشرقيين، تقع على طول طريق الحرير. شهدت هذه المدينة مدًا وجزرًا للأديان والتقاليد الثقافية واللغات، وهو اندماج واضح في العديد من الاكتشافات الأثرية المعروضة في المتحف المحلي. بلغت المدينة ذروتها في عهد القراخانيين (9-14). وصفها المعاصرون بأنها مدينة متطورة ومزدهرة للغاية، وتضم أكثر من 8 مسجد ومدرسة وخانقة. تُعرف أيضًا باسم "حشد كوس"، وكانت بمثابة العاصمة وواحدة من المدن الرئيسية للدولة القراخانية حتى وصول القراخايتيين.
كما أن بالاساجون هي مسقط رأس الشاعر الشهير يوسف بالاساجوني، مؤلف قصيدة "كوتادجو بيليج" ("المعرفة المباركة")، وهي أول تحفة أدبية باللغة التركية. ولا تزال المخطوطة الأصلية لهذا الكتاب موجودة في القاهرة. وفي عام 1219، استولى المغول على بالاساجون، وأطلقوا عليها اسم "جوباليك"، أي "المدينة الطيبة". ولكن بحلول القرن الرابع عشر، وبعد تفشي الطاعون المدمر في عامي 14 و1338، توقفت المدينة عن الوجود، وفقًا لبعض العلماء.
اليوم، لم يتبق سوى بضعة أجزاء من المدينة التي كانت ذات يوم مدينة متطورة ومتحضرة ذات بنية تحتية متطورة ونظام إمدادات مياه. وأبرز الآثار هي المئذنة التي تعود إلى القرن الحادي عشر، والمعروفة باسم برج بورانا، والمزينة بأنماط الطوب القراخانية المميزة. وإلى جانبها توجد أنقاض عدد من الأضرحة وموقع أثري صغير.
برج بورانا، إلى جانب علامات الدفن، والتحصينات الترابية المتناثرة، وبقايا القلعة، وثلاثة أضرحة، هي كل ما تبقى من آثار مدينة بالاساجون القديمة. يسمح سلم خارجي ومسار ضيق متعرج داخل البرج للزوار بالصعود إلى القمة، مما يوفر لمحة عن أحد أقدم الكنوز المعمارية في آسيا الوسطى.
في الأصل، كان ارتفاع برج بورانا 45 مترًا (148 قدمًا). ومع ذلك، ألحقت قرون من الزلازل أضرارًا جسيمة بالبرج، حيث أدى أشدها في القرن الخامس عشر إلى تقليص ارتفاعه إلى 15 مترًا (25 قدمًا). في أوائل القرن العشرين، استخدم المستوطنون الروس بعض الطوب من البرج لمشاريع البناء، مما أدى إلى تقليص بنيته بشكل أكبر. هدفت جهود الترميم في السبعينيات إلى تقوية أساس البرج وإصلاح الجانب الغربي، الذي كان على وشك الانهيار.
وفي مكان قريب، اكتشف علماء الآثار موقعًا مثيرًا للاهتمام - مقبرة مسيحية نسطورية، حيث يمكن رؤية قطع أثرية مثل الصلبان المنحوتة بدقة مع نقوش بخط استرانجلو (شكل من أشكال الكتابة السريانية) في المتحف المحلي. ويضم المتحف أيضًا "حديقة حجرية" أثرية، تضم تماثيل تذكارية تركية مختلفة (بلبل)، وأحجارًا منقوشة بنقوش صخرية، وأحجار طاحونة عملاقة. وعلى الرغم من اقتلاع هذه الآثار من مواقعها الأصلية حيث كانت قائمة لقرون، إلا أن المكان لا يزال يستحضر شعورًا عميقًا بالتاريخ والعجب.
على بعد حوالي 10 كم من موقع بورانا تقع مستوطنة قديمة أخرى - أك بيشيم، المعروفة محليًا باسم "بالاساجين"، بدلاً من الموقع السابق. في القرن التاسع عشر، حدد الباحث فاسيلي بارتولد هذه الآثار على أنها عاصمة القراخانيين. ومع ذلك، تميل الدراسات الحالية إلى تحديد هذا الموقع على أنه مدينة سوياب، وهي مركز رئيسي لخاقانية تركيا الغربية في العصور الوسطى المبكرة.
ولكي نفهم مدى اتساع هذه الخاقانية، فلنتأمل أنها امتدت من كاشغاريا في الصين الحديثة إلى حوض نهر الدون في الغرب، وكانت دولة الخزر الهائلة مجرد جزء من امتدادها في أقصى الغرب. وفي أوج ازدهارها، كانت سوياب (إذا كانت سوياب هي بالفعل) بمثابة ملتقى حقيقي للثقافات. ففي القرنين السادس والسابع، كان سكان المدينة يتألفون في المقام الأول من الصغديين الذين مارسوا الزرادشتية. كما لعب النساطرة دورًا مهمًا، كما يتضح من بقايا كنيسة مسيحية كبيرة اكتشفها علماء الآثار في منطقة شهرستان (المنطقة الحضرية).
ومع ذلك، في القرن الثامن، بعد تفكك الخاقانية التركية الغربية وضم سوياب إلى أسرة تانغ، اكتسبت البوذية مكانة بارزة في المدينة. ولا يزال دير بوذي يعود إلى العصور الوسطى المبكرة قائمًا كشاهد على هذا العصر. ولا تزال العديد من هياكل سوياب-بالاساجون غير مكتشفة، وهي تحمل أسرار الماضي العريق للمدينة.
زيارة برج بورانا القديم
استكشف موقع بالاساجون التاريخي
استمتع بغداء قيرغيزستاني تقليدي
تعلم تقنيات بناء اليورت
المشاركة في جمعية اليورت
اكتشف رؤى الثقافة البدوية