
من قلب آسيا الوسطى، تبرز مدينة سمرقند ليس فقط باعتبارها ملتقى للثقافات ولكن أيضًا كمنارة للتراث الحرفي، وخاصة في صناعة الورق. يعود تاريخ فن صناعة الورق، الذي ظل لفترة طويلة محاطًا بالسرية، إلى الصين القديمة. ومع ذلك، لم يجد هذا السر المحفوظ بعناية موطنًا جديدًا في سمرقند حتى القرن الثامن. فبعد معركة تاريخية انتصرت فيها قوات سمرقند على الغزاة الصينيين، قايض صانعو الورق الصينيون الذين وقعوا في الأسر بمعرفتهم مقابل حريتهم. وهكذا بدأت رحلة سمرقند كمركز لإنتاج ورق الحرير، وهو اللقب الذي احتفظت به حتى القرن الثامن عشر.
اشتهر ورق سمرقند بنعومته الاستثنائية ولونه النابض بالحياة والأهم من ذلك متانته. وقد نجت الوثائق المكتوبة على هذا الورق عبر العصور، وهي الآن معروضة في متاحف حول العالم. وقد حظي هذا الورق بتقدير الخطاطين والفنانين على حد سواء، وأصبح الوسيلة المفضلة للنصوص والمنمنمات وإنتاج الكتب.
كان الورق يأتي بدرجات مختلفة، وكان صنف "السلطان" هو الأكثر فخامة، حيث حل محل ورق البردي والجلد في الأسواق الأوروبية خلال العصور الوسطى. يليه صنف "الحرير"، المعروف بنعومته ولونه الأصفر الفاتح. وكان صنف "النيمكانوب" الأقل رقيًا، وهو ورق بني اللون مصنوع من نفايات الحرير ومواد أخرى.
لقد أجبرت الصراعات الداخلية المستمرة في الفترة من القرن السادس عشر إلى القرن الثامن عشر حرفيي سمرقند على التخلي عن ورشهم. وبمرور الوقت، تراجع فن صناعة الورق، ولكن تم إحياؤه من جديد في القرن العشرين، وذلك بفضل مبادرة اليونسكو.
اليوم، يقف مصنع الورق ميروس في قرية كونيجيل، بالقرب من سمرقند، شاهداً على إحياء هذه الحرفة القديمة. أسس هذا المصنع الأخوان مختاروف، وأعاد الحياة إلى التقنيات القديمة. يمكن لزوار المصنع مشاهدة العملية اليدوية بأكملها، وهي معرض حي للحرف اليدوية التاريخية.
يستخدم المصنع نفايات الحرير ولحاء التوت وبراعم الخيزران أو العصي الخشبية كبديل كمواد خام. يتم غلي هذه المواد على نطاق واسع وطحنها حتى تتحول إلى عجينة متجانسة ثم تشكيلها على شكل صفائح رقيقة. ثم يتم تجفيف الورق وضغطه وتبييضه ثم تأتي اللحظة الحاسمة: التلميع. يتم تلميع كل ورقة بعناية على الرخام بأحجار العقيق، مما يمنح ورق سمرقند نعومته الأسطورية.
إن الورق الذي يتم إنتاجه في مصنع كونيجيل اليوم مطلوب بشدة لترميم المخطوطات القديمة وإعادة إنتاج المنمنمات التقليدية، سواء داخل أوزبكستان أو على المستوى الدولي. ومن خلال هذه الجهود، يستعيد ورق سمرقند تدريجيًا شهرته التاريخية، ويسحر الجيل الجديد بلمسته الحريرية وسحره الدائم.
جولات في أوزبكستان