ساحة ريجستان

ساحة ريجستان

تعد ساحة ريجستان بمثابة الجوهرة المتوجة في وسط روعة سمرقند القديمة، وهي شهادة على عظمة المدينة التاريخية وروعتها المعمارية. وقد حفرت هذه الساحة الشهيرة اسمها على المسرح العالمي، وتشتهر بمجمعها المعماري المهيب الذي يجسد ذروة التصميم الشرقي. وتحيط بها من ثلاث جهات مدارس دينية مهيبة، وتواجه واجهاتها مركز الساحة بشكل مهيب، ويتميز كل مبنى بديكور مميز يميزه عن غيره.

ساحة ريجستان، سمرقند
ساحة ريجستان، سمرقند

إن جوهر ميدان ريجستان يكمن في اسمه، المشتق من الكلمة الأوزبكية التي تعني "المكان الرملي"، والتي تعود إلى وقت كانت فيه الساحة مغطاة بالرمال. لم تكن المدارس الدينية الشهيرة التي تحدد محيطها الآن موجودة دائمًا؛ فقد نشأت بمرور الوقت، مما أضاف إلى أهمية الميدان. تاريخيًا، كانت هذه الساحة المركزية بمثابة مكان للتجمع حيث أعلن مسؤولو المدينة مراسيم الخان، واستضافوا الاحتفالات الكبرى، ونفذوا عمليات الإعدام العلنية، وحشدوا القوات للمعركة.

كانت الساحة تعج في يوم من الأيام بنشاط صفوف التجارة، حيث كان الحرفيون والمزارعون المحليون يعرضون بضائعهم. وكانت تشكل مركزًا لشوارع سمرقند، ومركزًا للتجارة والتفاعل الاجتماعي ينبض بالحياة والطاقة.

على مر القرون، جاء حكام وذهبوا، كل منهم غيّر الوظيفة الأساسية للساحة بما يتناسب مع عصره. ومع ذلك، وعلى الرغم من كل هذه التحولات، ظلت ريجستان القلب النابض للمجال الاجتماعي في سمرقند.

ثالوث المدارس: أولوغ بيك، وشيردور، وتيلا كوري

تهيمن على الساحة ثلاث مدارس دينية شهيرة: أولوغ بيك، وشيردور، وتيلا كوري. وتُعد هذه المؤسسات من أهم المعالم السياحية في المدينة، وكل منها إرث لحكام مختلفين تركوا بصماتهم على التراث المعماري والثقافي للمدينة.

تعتبر مدرسة أولوغ بيك، التي أسسها الملك الفلكي الذي يحمل نفس الاسم، رمزًا للسعي المستنير وراء المعرفة الذي ميز عهده. تعكس مدرسة شيردور، بواجهتها المذهلة التي تضم مخلوقات أسطورية، التطلعات الفنية والرمزية في عصرها. وأخيرًا، تجسد مدرسة تيلا كوري، المزينة بالذهب، الجمالية الفخمة التي سادت أثناء بنائها.

تروي هذه المدارس معًا قصة ساحة كانت شاهدة على التجارة والعلم وتطور التاريخ. وهي تقف كحراس صامتين، تذكرنا بزمن كانت فيه سمرقند ملتقى للثقافات ومنارة للتعلم في العالم القديم.

مدرسة أولوغ بيك

تأسست مدرسة أولوغ بيك، منارة التعلم والروعة المعمارية، على يد عالم الرياضيات والفلك الشهير أولوغ بيك، الذي تولى السلطة في عام 1409. وفي عام 1417، كلف ببناء مدرسة في ميدان ريجستان، والتي حملت اسمه فيما بعد، لتكون أول مبنى ضخم في هذه المجموعة التاريخية. مصطلح "مدرسة" نشأ في اللغة العربية، ويعني مكانًا مخصصًا للتعليم والمنح الدراسية.

بحلول عام 1420، اكتمل بناء المدرسة. من الناحية المعمارية، تقدم المدرسة واجهة خارجية مستطيلة على الحافة الغربية للميدان، وتحيط بفناء مربع يؤدي إلى غرف الطلاب (التي تضم حوالي 100 باحث) وقاعات المحاضرات. الواجهة المواجهة للميدان محاطة بمئذنتين شاهقتين. الجزء الداخلي من المبنى هو شهادة على الإتقان الفني، مع الطوب المزجج الذي يشكل أنماطًا رائعة مقابل الألوان الدافئة للجدران. بوابة المدرسة جديرة بالملاحظة بشكل خاص، مزينة بزخارف نجمية ذات عشرة رؤوس تكريمًا للمصالح السماوية لمؤسسها.

خلال أوجها، كانت مدرسة أولوغ بيك المركز البارز للتميز العلمي والتعليمي في سمرقند. وكانت مركزًا لدراسة الفلسفة وعلم الفلك والرياضيات واللاهوت. وبالاشتراك مع المدرسة، أنشأ أولوغ بيك أيضًا سرادقًا للقوافل وخانقاه (هانقاه)، مما أثرى النسيج الثقافي والفكري للمدينة.

وبعد قرنين من الزمان، تم إثراء السرد المعماري لساحة ريجستان بإضافة مدرستين أخريين، تم بناؤهما على مواقع ملاجئ الباعة السابقة والخانقاه. وتشكل هذه المؤسسات التعليمية الثلاثية الآن المجمع المعماري الكامل والمثير للإعجاب والذي يقف اليوم كشاهد على الإرث الدائم لأولوغ بيك والسلالة التيمورية.

مدرسة شير دور

تم إنشاء مدرسة شير دور، وهي أعجوبة معمارية، تحت رعاية يالانغتوش بهادور، الذي أصبح أمير سمرقند في عام 1612. اشتهر يالانغتوش بهادور بفطنته السياسية وخبرته العسكرية، وشرع في مشروع طموح لبناء مدرسة جديدة في ساحة ريجستان، مباشرة مقابل المدرسة التي بناها أولوغ بيك.

كانت الرؤية وراء بناء مدرسة شير دور هي أن تكون انعكاساً للهيكل القائم على الجانب الشرقي من الساحة. ولكن بسبب مرور قرنين من الزمان منذ تشييد مدرسة أولوغ بيك، التي استقرت في الأرض، وارتفاع الساحة بمقدار مترين، فقد أصبحت المدرسة الجديدة أطول عن غير قصد، على الرغم من أن هذا الاختلاف دقيق بالنسبة لعين المراقب.

كان الموقع الذي تم اختياره لمدرسة شير دور يشغله في السابق خانقاه أولوغ بيك المتداعي، والذي تم تفكيكه لإفساح المجال للبناء الجديد، وإعادة استخدام الكثير من مواده. امتد البناء لأكثر من عقدين من الزمان، وانتهى في عام 1636، وكان الأمير يالانغتوش بهادور ينوي أن ينافس مبناه مبنى أولوغ بيك من حيث العظمة والحجم.

مدرسة شير دور في ساحة ريجستان، سمرقند
مدرسة شير دور في ساحة ريجستان، سمرقند

على الرغم من أن واجهة مدرسة شير دور تشبه إلى حد كبير سابقتها، إلا أن البناء تضمن تقنيات متقدمة لم تستخدم في القرن الرابع عشر، مما يعكس النهج التقدمي للبناة.

عند اكتمال بنائها، سُميت المدرسة في البداية باسم راعيها. ومع ذلك، كان عامة الناس هم من أطلقوا عليها اسم "شير دور"، الذي يعني "مزين بالنمور"، مستوحى من الصور المذهلة على بوابتها. تصور هذه الصورة نمورًا ذهبية مهيبة، مع شمس على ظهورها، وهي تطارد أيلًا أبيض. وقد ارتقى هذا الزخرف الأيقوني لاحقًا ليصبح رمزًا وطنيًا لأوزبكستان، يجسد روح الأمة وتراثها الفني.

مدرسة تيلا كوري

كانت مدرسة تيلا كوري، الجوهرة الأبرز في الثلاثية المعمارية لساحة ريجستان، من تصور يالانغتوش بهادور، حاكم سمرقند، بعد عقد من الزمان من اكتمال بناء مدرسة شير دور. وكان طموحه أن يقيم هيكلًا لا يكمل المجموعة المهيبة فحسب، بل ويكملها أيضًا.

في عام 1646، بدأ البناء على الجانب الشمالي من ميدان ريجستان، ليحل محل سراي القافلة السابق. وكان قصد المهندس المعماري أن يعكس المباني القائمة، وأن يضع المدرسة الجديدة في موقع مركزي لتحقيق وحدة معمارية متناغمة. وقد تم التخطيط لتصميم الواجهة بدقة لتحيط بالميدان بصريًا، مما يخلق جوًا حميميًا وفخمًا في نفس الوقت.

مدرسة تيلا كوري، سمرقند
مدرسة تيلا كوري، سمرقند
 
 

استغرقت عملية بناء مدرسة تيلا كوري أكثر من 14 عامًا، وبلغت ذروتها في عام 1660. تتميز الواجهة ببنيتها المكونة من مستويين؛ وتتميز البوابة المركزية بوجود محراب عميق مكون من خمسة أقواس يؤدي إلى الفناء الداخلي. وعلى يسار البوابة يوجد مسجد متوج بقبة زرقاء، وتحيط به مئذنتان تكملان بشكل أنيق المظهر الأمامي للمدرسة، مع الحفاظ على التماسك الأسلوبي للميدان.

وقد استوحي اسم المدرسة "تيلا كوري"، الذي يعني "مذهب"، من ديكورها الفخم. وقد استخدم الفنانون تقنية الرسم "كوندال"، مستخدمين الذهب في المقام الأول، مما أدى إلى زخارف فخمة تأسر كل من يراها. ومن بين المدارس الثلاث، تبرز مدرسة تيلا كوري بجدرانها المزخرفة بشكل غني، وهي شهادة على الجمالية الفاخرة التي فضلها الناس أثناء إنشائها.

ريجستان اليوم

تعد ساحة ريجستان شاهدًا صامتًا على مد وجزر التاريخ، فهي المكان الذي يلتقي فيه الماضي والحاضر في قلب سمرقند. على مدى أكثر من ستة قرون، شهدت هذه الساحة صعود وسقوط الإمبراطوريات، والنشاط الصاخب لطريق الحرير العظيم، والهمسات الصامتة للزمن.

بحلول أواخر القرن السابع عشر، شهدت سمرقند ركودًا اقتصاديًا عميقًا. فقد شهدت المدينة المزدهرة ذات يوم، والتي طغت عليها بخارى الآن، تلاشي عظمتها مع تحويل التجار لطرقهم، تاركين وراءهم ألف أسرة ومدارس دينية أصبحت ملاذًا للحياة البرية. ولم تبدأ سمرقند في استعادة مكانتها التاريخية إلا في عام 17، مع الجهود المبذولة لاستعادة والحفاظ على سلامة ميدان ريجستان.

كان ظهور الحكم السوفييتي في عام 1918 بمثابة عصر آخر من التحول في سمرقند. فقد توقف التعليم الديني في المدارس الدينية، وتحملت المباني نفسها وطأة الكوارث الطبيعية، بما في ذلك الزلازل والطقس المتطرف، مما أدى إلى أضرار جسيمة. ومع ذلك، في ظل هذا النظام، تم بذل جهود متضافرة لإعادة تأهيل ساحة ريجستان، مع الاعتراف بأهميتها كموقع تاريخي محوري على طول طريق الحرير العظيم.

كانت عملية الترميم، التي استغرقت عدة سنوات وانتهت قبل تفكك الاتحاد السوفييتي مباشرة، مهمة ضخمة. فقد عمل المرممون بعناية على تجميع الأجزاء الداخلية والخارجية، وإعادة إحياء الواجهات المعقدة والتفاصيل المزخرفة التي فقدت مع مرور الوقت.

إن ساحة ريجستان التي نراها اليوم هي تتويج لتفاني لا هوادة فيه من جانب عدد لا يحصى من الأفراد الملتزمين بالحفاظ على هذه التحفة المعمارية. ولولا الإجراءات الحاسمة التي اتخذت أثناء الحقبة السوفييتية، لربما ضاعت روعة هذا الموقع القديم إلى الأبد.

والآن، أصبحت ساحة ريجستان بمثابة مركز ثقافي نابض بالحياة، حيث تستضيف الحفلات الموسيقية والمهرجانات ومجموعة لا حصر لها من الفعاليات التي تحتفل بالمدينة والجمهورية. وتجتذب الساحة الآلاف من الزوار يوميًا، الذين يتوقون لمشاهدة جمالها المهيب والنسيج الغني للتاريخ الذي تمثله.

إن ساحة ريجستان ليست مجرد معلم تاريخي؛ بل إنها إرث عزيز ورثناه عن أجدادنا، يجسد الطيف الكامل لسحر العمارة الشرقية. فهي لا تمثل مساحة مادية فحسب، بل إنها رمز للروح الدائمة لسمرقند، حيث تربط بين ستة قرون من التاريخ ووعد بقرون أخرى قادمة.

ساحة ريجستان في سمرقند

جولة مدينة سمرقند

من$90
6 ساعة

نزهة عبر شاهي زيندا
اكتشف مسجد بيبي خانيم
اكتشف روعة ساحة ريجستان
التسوق في سوق سياب
تذوق الخبز التقليدي المحلي

اكتشف مدينة سمرقند الساحرة مع جولتنا التي تستغرق يومًا واحدًا. قم بزيارة المعالم الشهيرة مثل ساحة ريجستان وشاه زنده ومسجد بيبي خانيم المذهل. استمتع بالتاريخ الغني والثقافة النابضة بالحياة لهذه المدينة القديمة الواقعة على طريق الحرير.
تقييم الزبائن